عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
29
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
والوصف الثاني : الخلق . وله نعتان : النعت الأول القدم ، والنعت الثاني الحدوث . وله اسمان : الاسم الأول الربّ . والاسم الثاني العبد . وله وجهان : الوجه الأول الظاهر وهو الدنيا . والوجه الثاني الباطن وهو الأخرى . وله حكمان : الحكم الأول الوجوب . والثاني الإمكان . وله اعتباران : الاعتبار الأول أن يكون لنفسه مفقودا لغيره موجودا . والاعتبار الثاني أن يكون لغيره مفقودا ولنفسه موجودا . وله معرفتان : المعرفة الأولى وجوبيته أولا وسلبيته آخرا . المعرفة الثانية سلبيته أولا ووجوبيته آخرا . وله نقطة للمفهوم فيها غلطة وللعبارات عن معانيها انحرافات وللإرشادات عن معانيها انصرافات ، والحذر أيها الطير في حفظ هذا الكتاب الذي لا يقرؤه الغير ، فلم يزل الطير طائرا في تلك الأفلاك حيا في ممات باقيا في إهلاك ، إلى أن نشر جناحه ، وقد كان لفّ ، وكشف بصره وقد كان كفّ ، فوجده لم يخرج عن نفسه ولم ينطق في سوى جنسه ، داخلا في البحر خارجا عنه شاربا ريانا فيه ظمآنا منه ، ولا يكلمه قطعا ولا يفقد منه شيئا ، تجد الكمال المطلق محققا عبارة عن نفسه وذاته ، ولا يملك تمام صفاته ، يتصف بأسماء الذات والأوصاف حقّ الاتصاف ، وليس له زمام يملكه بحكم الاتفاق والاختلاف . يتمكن من التصرّف بصفاته كل التمكين ، وليس له شيء بكماله في التعيين ، له كما الجولان في محله وعالمه ، وليس له سوى الانحصار في منازله ومعالمه ، يرى كمال بدره محققا في نفسه ، ولا يستطيع منعا لكسوف شمسه ، يجهل الشيء وهو به عارف ، ويرحل من المحلّ وهو فيه واقف ، يسوغ الكلام فيه بغير لسان ولا يسوغ ، ويستقيم عرفانه ولا يزوغ ، أدخل العالم فيه عرفانا أبعدهم عنه بيانا ، أقصى الناس عن سوحه أقربهم منه ، حرفه لا يقرأ ومعناه لا يفهم ولا يدري ، وعلى الحرف نقطة وهمية دارت عليها دائرة ، ولها في نفسها عالم ، ذلك العالم على هيئة الدائرة المستديرة فوقها وهو أعني النقطة نقطة من تلك الدائرة ، وهي جزء من هيئة أجزائها ، والدائرة بجميعها في حاشية من حواشي بساطها ، فهي بسيطة من نفسها مركبة من حيث هيئتها ، فرد من جهة ذاتها ، نور باعتبار وضوحها ، ظلمة باعتبار عدم الوقوع عليها ، وكل هذا المقال لا يقع على حقيقة ذات المتعال ، كلّ فيه اللسان وانحصر ، وضاق عنه الزمان وانحسر ، تعالى اللّه العظيم الشأن ، الرفيع السلطان العزيز الديان ، ثم قال :